محمد أبو زهرة
1809
زهرة التفاسير
مؤمن ، وسواء أنطق بالشهادتين مع ذلك ، أم لم ينطق . والنهى عن القتل بالنهى عن رد الكلام الذي قاله معلنا السلام ، ورد الفعل الذي يدل على الاستسلام ؛ فمعنى النص الكريم لا تردوا إلقاء السلام وفعله الذي يدل عليه ، قائلين : لست مؤمنا ، أي لست مصدقا للشهادتين إن نطقت بها ، أو لست من صفوف المؤمنين حتى يحرم على أنفسنا قتلك . فمعنى لَسْتَ مُؤْمِناً على هذا يشمل أمرين : أحدهما إنكار الإيمان إذا ادعاه ، والثاني أن يقال له مع استسلامه ، وإن لم يعلن اسلامه : نقتلك لأنك لست من قومنا ، أو من صفوفنا ! . وبذلك ينهى الإسلام عن القتل ما دام قد منع الاعتداء . ولقد كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ينهى عن قتل من أعلن الاستسلام ولو بالإشارة ، فقد أرسل إلى قائد جيشه ، الذي كان يقاتل في فارس ، ينهى عن أن يقتل أحد أشار بالاستسلام ، ويحذر من يقتله بأنه سيقتله به ؛ لأنه اعتدى ، والإسلام ينهى عن الاعتداء ، ولو في القتال ، ولذا قال سبحانه : وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ( 190 ) [ البقرة ] . وإن الذين يقتلون من يطلب الأمان مستسلما ، أو من يعلن الإسلام مسلما ، يخرج قتالهم عن معنى الجهاد في سبيل الله تعالى إلى معنى آخر يجافيه ، وهو أن يبتغوا عرض الدنيا بالمال يطلبونه ، أو بإعلان قوتهم ، وليس ذلك مقصد الإسلام من القتال ، إنما مقصده إعلاء كلمة الله تعالى ، وبيان كلمة الحق ، ولذلك قال سبحانه " : تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ الابتغاء الطلب الشديد ، والرغبة الملحة . وعرض الدنيا ، جميع متاعها ، وسمى متاع الدنيا عرضا ؛ لأنه مهما يكن زائل غير ثابت ، فهو عارض لا يدوم ، ومنه قول على - رضي الله عنه : « الدنيا عرض حاضر ، يأكل منها البر والفاجر » « 1 » ! ومنه ما روى في صحيح
--> ( 1 ) عن شداد بن أوس قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « أيها الناس إنما الدنيا عرض حاضر ، يأكل منها البر والفاجر ، والآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك عادل ، يحق فيها الحق ويبطل الباطل » . رواه البيهقي ج 4 ، ص 465 ( 5837 ) ، كما رواه الطبراني في الكبير .